أبطلوه لجهاد التتار وحرّموه لانعدام الأمن وعطله الصراع السياسي على الحرمين.. تعرف على تاريخ توقف الحج

أبطلوه لجهاد التتار وحرّموه لانعدام الأمن وعطله الصراع السياسي على الحرمين.. تعرف على تاريخ توقف الحج

"في سنة ثلاثين وأربعمئة تعطل الحج من الأقاليم بأسرها؛ فلم يحج أحد لا من مصر، ولا من الشام، ولا من العراق، ولا من خراسان". يذكرنا بهذا النص -الذي أورده الإمام السيوطي (ت 911هـ/1506م) في كتابه ‘حسن المحاضرة‘- ما يجري اليوم في بلاد الحرمين من قصر للمشاركة في موسم الحج هذا العام (1441هـ/2020م) على "أعداد محدودة جدًّا" من الحجاج، مخافة انتشار جائحة فيروس كورونا بين جموعهم.

وتمثل هذه السابقة فرصةً مُثلى لدراسة تاريخ تعطُّل الحج -كليا أو جزئيا- في مختلف عصور التاريخ الإسلامي؛ إذ يبدو من الاستقراء الواسع لهذا التاريخ أن أغلبية حالات هذا التعطُّل -الذي توقفت معه مرارا حركة الدوران حول الكعبة- كانت تتم لأسباب سياسية أو لظروف أمنية ترتبت عليها، فألقت بظلالها على شعيرة الحج وتأثر أداؤها بالاشتباك المتكرر بين الدوافع السياسية والنوازع النُّسُكية في تلك الشعيرة، سعيا لتحقيق السيادة على الحرمين لإحراز شرعية دينية للسلطة في نفوس الجماهير، وهو ما زاد كثيرا -مع أسباب أخرى ظرفية- من حالات منع الحج وتعطل مواسمه عبر القرون.

صراع العروش
لعل أول وأهم الأسباب التي أدت إلى تعطل شعيرة الحج -كليا أو جزئيا- هو وقوع الصراعات السياسية سواء بمنطقة الحجاز وفي قلبها مكة المكرمة أو بأقاليم العالم الإسلامي الأخرى، وما كان يصاحبها من اقتتال يمنع الحجاج من الوصول إلى منطقة مشاعر الحج. وكان أول تلك الصراعات تاريخيا ما وقع بين الأمويين والزبيريين مطع سبعينيات القرن الأول الهجري؛ فبسبب هذا الصراع لم يستطع أهل مكة -بقيادة عبد الله بن الزبير (ت 73هـ/693م)- أن يحجوا عام 73هـ/693م، كما يقول الطبري (ت 310هـ/923م) في تاريخه: "وحَجَّ الحَجَّاج (الثقفي ت 95هـ/714م) بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور.. [في] مكة..، ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة".

وحين ثار العلويون -في الحجاز والبصرة- بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بـ"النفس الزكية" (ت 145هـ/763م) وأخيه إبراهيم (ت 145هـ/763م)؛ بلغت ثورتهما مصر والشام وسائر آفاق العالم الإسلامي، فما كان من والي مصر العباسي يزيد بن حاتم المهلبي الأَزْدي (ت 170هـ/786م) إلا أن "مَنع الناسَ من الحج في سنة خمس وأربعين ومئة، فلم يحجّ في تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام؛ لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن" في ثورتهم على العباسيين؛ كما يذكر ابن تَغْرْي بَرْدي (ت 874هـ/1470م) في ‘النجوم الزاهرة‘.

ويمدُّنا ابن الجوزي (ت 597هـ/1200م) -في تاريخه ‘المنتظم‘- بسلسلة من وقائع انقطاع الحج من جهة العراق وما وراءه من مناطق خراسان وآسيا الوسطى، تواصلت لأعوام عدة بسبب تردي الأوضاع بالعراق مركز الخلافة العباسية وسلطناتها البويهية ثم السلجوقية؛ ففي سنة 401هـ/1011م "لم يحج.. أحد من العراق" لأمرين: الأول هو اضطراب الأوضاع الأمنية المتردية جراء الخروج على العباسيين من والي الموصل قرواش بن مقلد العقيلي (ت 444هـ/1053م) ومبايعته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (ت 411هـ/1021م)، وهو ما عبّر عنه عفيف الدين اليافعي (ت 768هـ/1367م) -في ‘مرآة الجنان‘- بقوله: "لم يحج ركب العراق لفساد الوقت".

والسبب الثاني وقوع فيضان كبير في نهر دجلة؛ حيث "تفجّرت البُثوق (= فتحات النهر) وغرقت القرى والحصون"؛ حسبما يذكره ابن الجوزي في ‘المنتظم‘، ويؤكده معاصره المؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ/1233م) -في كتابه ‘الكامل‘- بقوله: "زدات دجلة إحدى وعشرين ذراعًا، وغرق كثيرٌ من بغداد والعراق، وتفجّرت البُثوق، ولم يحج هذه السنة من العراق أحد".

واللافت أنه في 401هـ/1011م نفسه لم يستطع حُجَّاج مصر أداء فرائضهم بسبب الأوضاع الأمنية المتردية، والصراع الداخلي بين القوات الفاطمية وأمير فلسطين حسان بن الجراح (ت بعد 415هـ/1025م) الذي خلع طاعة الفاطميين، وبايع أشرافَ الحجاز الذين كانوا يراوحون في ولائهم السياسي بين العباسيين ببغداد والفاطميين بالقاهرة، "فلم يحج أحد من مصر في هذه السنة"؛ وفقا للمقريزي في ‘اتّعاظ الحنفا‘.

وفي عام 407هـ/1017م "لم يحج الناس.. من خراسان ولا العراق"، وكان ذلك -كما يبدو من كلام ابن الجوزي- بسبب صراع على العرش البويهي وقع "بين سلطان الدولة أبي شجاع (ت 415هـ/1025م) وأخيه [قوام الدولة] أبي الفوارس (ت 419هـ/1029م)". كما كان الصراع السلجوقي/الغزنوي للسيطرة على مناطق وسط آسيا وإيران -فضلا عن الاضطرابات الداخلية بمصر والشام جراء نزاع الوزراء على الإدارة الفاطمية- سببًا في انقطاع الحج 430هـ/1039م أيضًا، ولذلك يقول ابن الجوزي إنه "لم يحج الناس في هذه السنة من خراسان والعراق ومصر والشام"، وهذه هي الأقطار تمثل الأغلبية الساحقة من الحجيج آنذاك.